السيد كمال الحيدري
224
التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)
من جانب آخر يلحظ أنّ الفهم الذي يقدّمه السيّد الصدر ومن سبقه للقضاء والقدر وتفسيرهما على أساس سببي سننى ينقل المجتمع إلى قمّة الحراك والفاعلية والنشاط دون أن يفقده إيمانه بربّه ودينه ، وذلك في مقابل المأزق الذي يدفع به مشروع التحديث الغربى حين يضع المجتمعات المسلمة في مفترق صعب بين البقاء على الإسلام والتخلّى عن التقدّم أو الولوج في مسارات التقدّم والتحديث والتخلّى عن الإسلام ، بناءً على ما يذهب إليه هذا المشروع من أنّ « المجتمع الحراكى » هو فقط المجتمع العلمانى الذي يتحرّر من حتميات القدر ويصنع مستقبله على أساس العقلانية ومبدأ الاختيار . على سبيل المثال يقدّم دانيال ليرنر في كتابه « اختفاء المجتمع التقليدى » تصوّراً عن التحديث العالمي يستلزم نظرية عالمية شاملة عن العلمانية تضع التخلّى عن الدين شرطاً للتحديث ، والتحرّر من حتميات القدر شرطاً للحراك الاجتماعي لأنّ « المجتمع الحراكى » العلمانى برأيه هو وحده المجتمع الذي « يشجّع العقلانية ، لأنّ حساب الاختيار يشكّل السلوك الفردى وشروط مكافأته ، ذلك لأنّ الناس يرون مستقبلهم الاجتماعي كشىء يمكن صياغته وليس أمراً محتوماً ، كما ينظرون إلى الآخرين في ضوء إنجازاتهم وليس من خلال ما يرثونه » « 1 » . على هذا يغدو الإنسان العلمانى في المجتمع الحراكى هو « شخص نشط وعملىّ بعكس التقليدى الذي يرى عمله شيئاً منتهياً ولا يمكن تغييره » « 2 » .
--> ( 1 ) علم الاجتماع والإسلام : دراسة نقدية لفكر ماكس فيبر ، براين تيرنر ، ترجمة د . أبو بكر أحمد باقادر ، دار العلم ؛ بيروت ، 1407 ه 1987 م ، ص 224 ، الحقيقة أنّ هذا الكتاب يتّسم بأهمّية كبيرة بحكم ثراء أفكاره وغنى رؤيته النقدية لأفكار فيبر التي تدخل أساساً تحتيّاً في كثير من رؤى الدارسين للإسلام ودوره الاجتماعي والسياسي من الغربيّين والمنتمين إلى العالم الإسلامي نفسه . ( 2 ) المصدر السابق ، ص 224 .